أبي حيان الأندلسي

540

البحر المحيط في التفسير

وقرأ الشعبي ، وأبو نهيك : وأن يعفوا ، بالياء باثنتين من تحتها ، جعله غائبا ، وجمع على معنى : الذي بيده عقدة النكاح ، لأنه للجنس لا يراد به واحد ، وقيل : هذه القراءة تؤيد أن العفو مسند للأزواج ، قيل : والعفو أقرب لاتقاء كل واحد منهما ظلم صاحبه . وقيل : لاتقاء معاصي اللّه . و : أقرب ، يتعدّى باللّام كهذه ، ويتعدّى بإلى كقوله : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ * « 1 » ولا يقال : إن اللام بمعنى إلى ، ولا إن اللام للتعليل ، بل على سبيل التعدية لمعنى المفعول به المتوصل إليه بحرف الجر ، فمعنى اللام ومعنى إلى متقاربان من حيث التعدية ، وقد قيل : بأن اللام بمعنى إلى ، فيكون ذلك من تضمين الحروف ، ولا يقول به البصريون . وقيل أيضا : إن اللام للتعليل ، فيدل على علة ازدياد قرب العفو على تركه ، والمفضل عليه في القرب محذوف ، وحسن ذلك كون أفعل التفضيل وقع خبرا للمبتدأ ، والتقدير : والعفو منكم أقرب للتقوى من ترك العفو . وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ الخطاب فيه من الخلاف ما في قوله : وَأَنْ تَعْفُوا . والنسيان هنا الترك مثل : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ « 2 » والفضل : هو فعل ما ليس بواجب من البر ، فهو من الزوج تكميل المهر ، ومن الزوجة ترك شطره الذي لها ، قاله مجاهد ، وإن كان المراد به الزوج فهو تكميل المهر . ودخل جبير بن مطعم على سعد بن أبي وقاص ، فعرض عليه بنتا له ، فتزوّجها ، فلما خرج طلقها وبعث إليها بالصداق كاملا ، فقيل له : لم تزوّجتها ؟ فقال : عرضها علي فكرهت ردّه ، قيل : فلم بعثت بالصداق كاملا ؟ قال : فأين الفضل ؟ . و قرأ علي ، ومجاهد ، وأبو حيوة ، وابن أبي عبلة : ولا تناسوا الفضل . قال ابن عطية وهي قراءة متمكنة المعنى ، لأنه موضع تناس لا نسيان إلّا على التشبيه . انتهى . وقرأ يحيى بن يعمر : ولا تنسوا الفضل ، بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين ، تشبيها للواو التي هي ضمير بواو لو في قوله تعالى : لَوِ اسْتَطَعْنا « 3 » كما شبهوا : واو : لو ، بواو الضمير ، فضموها ، قرأ لَوِ اسْتَطَعْنا « 4 » بضم الواو .

--> ( 1 ) سورة ق : 50 / 16 والواقعة : 56 / 85 . ( 2 ) سورة التوبة : 9 / 67 . ( 3 - 4 ) سورة التوبة : 9 / 42 .